هل يُسهم البحث الدرسي في تحسين التعليم؟

هل يُسهم البحث الدرسي في تحسين التعليم؟

البحث الدرسي شكل من أشكال تطوير التعليم في اليابان، يُعزى إليه الفضل في التحسّن المتسارع للتربية الابتدائية هناك. وهو يتمركز حول البحث المشترك لدروس صفية فعلية. وقد انتشر سريعًا في الولايات المتحدة منذ عام 1999. واعتمادًا على أمثلة من البحث الدرسي في اليابان والولايات المتحدة، تبرز الحاجة إلى ثلاثة أنواع من البحث الناقد إذا أردنا للبحث الدرسي أن يتجنب القدر المحتوم الذي واجهته عدة محاولات إصلاحية كانت واعدة يومًا ما، لكنها أُهملت قبل أن تُفهم أو تُطبق جيدًا في الواقع التربوي. وتتمثل هذه الأنواع في توسيع القاعدة المعرفية الوصفية، وتوضيح آلية هذا التجديد، وحلقات متكررة من بحوث تحسينية.

وصف مختصر للبحث الدرسي
البحث الدرسي ترجمة لكلمتين يابانيتين هما jugyou (وتعني التعليم أو الدروس أو الدرس)، و Kenkyuu (وتعني البحث أو الدراسة). وبذلك فإن مصطلح jugyou kenkyuu يشمل مجموعة كبيرة من استراتيجيات تحسين التعليم تشترك فيما بينها بملاحظة مجموعة من المعلمين لدروس صفية حية، بهدف جمع بيانات عن التعليم والتعلم وتحليلها بجهود جماعية. ويُنظر إلى الدروس الصفية - التي تُسمى "الدروس البحثية" - على أنها ليست هدفًا بحدّ ذاتها، وإنما باعتبارها نافذة تُطل على رؤية تربوية أكبر يتقاسمها عدد من المعلمين، حيث يوافق أحدهم أن يتولى عملية التعليم ويسجل الآخرون تفاصيل عمليتي التعليم والتعلم في أثناء تكشفها أولاً بأول. ثم يتشارك المعلمون هذه البيانات في حلقة دراسية، حيث يتم مناقشة الدرس وعملية التعليم والتعلم على نحوٍ موسّع.
ويشترك البحث الدرسي في بعض الخصائص مع نُهوج تطويرية مهنية متنوعة في الولايات المتحدة. فالبحث الدرسي – مثلاً - يشترك مع تحليل أعمال الطلاب في التركيز على وجود دليل على تفكير الطالب، ويشترك مع التسجيل الفيديوي في تحليل التعليم الفعلي. لكن لا يوجد أسلوب آخر يجمع كل خصائص البحث الدرسي، في حصة صفية حيّة على اعتبار أنها بؤرة البحث. وهي خصائص تشتمل على تحليل للمنهاج وتخطيط للدرس وتنفيذه بمتابعة مباشرة من الآخرين، ثم تنظيم حلقة دراسية لتقويم تنفيذ الدرس، بل إن مجرد ممارسة الملاحظة البسيطة في صفوف الزملاء بهدف التعلم المهني أمر نادر الحدوث في الولايات المتحدة.
وقد وفرت الدراسة الدولية الثالثة للرياضيات والعلوم عام 1999 تعريفًا بالإنجازات التربوية لثقافات عالمية أخرى إلى قطاع عريض من الجمهور. وفي ضوئها، وخلال 4 سنوات فقط، برز البحث الدرسي في أكثر من 335 مدرسة أمريكية في 32 ولاية، وأصبح محطّ اهتمام عشرات المؤتمرات والتقارير والمقالات المنشورة. وبالرغم من هذه الأعداد الكبيرة فإن الصرح الكامل للبحث الدرسي في الولايات المتحدة يقوم على مثالين من حلقات البحث الدرسي الياباني هما: أطروحة "يوشيدا" (Yoshida, 1999) التي تناولت حالة بحث درس في الرياضيات في مدرسة ابتدائية يابانية، وحالة بحث درس في العلوم في مدرسة ابتدائية يابانية سُجّل فيديويًّا بعنوان "هل تستطيع رفع 100 كجم؟" ووُثّق في عملين كتابيين.

الحاجة الأولى في البحث الناقد
أول الحاجات البحثية توسيع القاعدة المعرفية الوصفية للبحث الدرسي إلى أبعد من الحالتين المتوفرتين حاليًّا؛ لتوفير رؤية أشمل للبحث الدرسي والكشف عن الجوانب الثابتة والمتغيرة، وتحديد التعديلات المتعلقة بالحاجة إليه في مواقف متنوعة. يُبادر المعلمون في اليابان إلى إجراء البحث الدرسي، ويمكن أن تموّله مؤسسات عدة، بما في ذلك المدارس والمحافظات والمنظمات المهنية؛ ويتخذ البحث الدرسي سمات تختلف باختلاف طبيعة المصادر التمويلية. فالدروس البحثية –على سبيل المثال- التي تُمولها المدارس الابتدائية التابعة للجامعات والمنظمات المهنية القومية تجذب آلاف التربويين الذين يرغبون في زيارة المدارس، حيث يقوم المربون بصياغة طرائق جديدة تساعد الطلاب على كتابة الشعر، وممارسة التفكير العلمي، والرياضي، وفهم مشكلات المجتمع المحلي، أو الانخراط في مدى واسع من أنواع التعلم الأخرى. لكن الدروس البحثية التي تُمولها المدارس المحلية – بالمقابل- تسترعي اهتمام المعلمين داخل المدرسة الواحدة فقط، حيث يقومون بدراسة طلابهم بعناية، ويركزون في الغالب على موضوع بحثي يهم المدرسة. كما أن ملامح البحث الدرسي تختلف باختلاف المواقف؛ فقد قامت شبكة إصلاح مدرسية يابانية بتجنب خطة الدرس المكتوبة جيدًا مع أنها تشكل معلمًا أساسيًا لكافة البحوث الدرسية، وفضلت بدل ذلك أن يتعرض الملاحظون إلى خبرة الدرس، كما يفعل الطلاب تمامًا، دون أن يعرفوا ماذا يُفترض أن يتناول ذلك الدرس. لقد تطور البحث الدرسي خلال القرن الماضي عبر عشرات آلاف المواقع في اليابان، مما نتج عنه تباينات كبيرة فيما يتعلق بالأهداف والممارسات والمعايير والإدارة والأبعاد الأخرى ذات الاهتمام النظري والعملي للتربويين الأميركيين. وإن زيادة معرفتنا عن هذه المواقع سوف يغني الصورة التي نحملها
عن البحث الدرسي أو يلغيها كليًّا.
إن وصف البحث الدرسي في الولايات المتحدة لا يُوفر بديلاً كافيًا للأمثلة اليابانية في هذا المجال، لأن الأدلة الأولى تُشير إلى أن التربويين الأميركيين الذين مارسوا البحث الدرسي ربما يكونون قد غيروا الخصائص الرئيسة للبحث الدرسي الياباني. فقد يركز الممارسون الأميركيون – مثلاً - على حركات المعلمين بدلاً من تعلم الطلاب، وقد يُدوّنون ملاحظات انطباعية بدلاً من سجلات الملاحظة الشاملة، وينشغلون بالمناقشات التي تؤكد الجدل بدلاً من الاستمتاع والتأمل.
الحاجة الثانية في البحث الناقد
الحاجة الثانية هي توضيح الآلية التي يؤدي البحث الدرسي من خلالها إلى التحسن التعليمي. فغالبًا ما تفشل التجديدات عندما يُركز التربويون على المظاهر السطحية للتجديد بدلاً من التركيز على الآلية التي تُمكّن هذا التجديد من النجاح. فالتركيز عل المظاهر السطحية لمشروع "إصلاح الرياضيات" - كالأنشطة والمناقشات الحسية، مثلاً - قد يكون بديلاً مشوهًا للاهتمام بالآلية التي يعتمد عليها تطور التفكير الرياضي عند الطلاب من خلال حل المشكلة. ويقترح التربويون أسلوبين يمكن أن يُحسِّن البحث الدرسي بهما التعليم. يتمثل الأول- وهو الأكثر انتشارًا - في أن البحث الدرسي يُحسّن التعليم بشكل رئيس من خلال تحسين الخطط الدرسية ويتمثّل الثاني في جوانب أشمل يُوضحها الجدول رقم (1).
الحاجة الثالثة في البحث الناقد
تتمثل الحاجة الثالثة في الحلقات البحثية القائمة على التصميم، والتي تُمكن الباحثين من شحذ التجديد بشكل مضطرد، وبناء النظرية التي تُفسر طريقة عمل هذا التجديد في الوقت ذاته – أي تطوير النظريات وليس مجرد ضبط "الأشياء الناجحة" تجريبيًا.

الجدول رقم (1): أسلوبان مقترحان لتحسين التعليم اعتمادًا على البحث الدرسي

تحسّن التعليم

arrow

التغيرات المؤثرة

  • الأسلوب الأول

البحث الدرسي يُحسّن التعليم من خلال تحسين الخطط الدرسية.

  • الأسلوب الثاني

البحث الدرسي يُقوي ثلاثة مسارات لتحسين التعليم: معرفة المعلمين، والتزام المعلمين نحو مجتمعهم المحلي، ومصادر التعلم.
أمثلة على المسارات الثلاثة:
معرفة المعلمين

  • معرفة المادة العلمية.
  • معرفة كيفية التعليم.
  • القدرة على ملاحظة الطلاب.
  • ربط الممارسات اليومية بالأهداف بعيدة المدى.

التزام المعلمين نحو مجتمعهم المحلي

  • الدافعية للتحسن.
  • الارتباط بالزملاء القادرين على تقديم المساعدة.
  • الإحساس بالمساءلة أمام المجتمع المحلي الذي يحظى بالاحترام.

مصادر التعلم

  • خطط درسية تكشف عن تفكير الطلاب، وتُنميه.
  • الأدوات التي تدعم تعلم الزملاء خلال البحث الدرسي.

arrow

الجوانب الملاحظَة من البحث الدرسي

  • التفكير في الأهداف بعيدة المدى لتعلم الطلاب ونموّهم.
  • دراسة المناهج والمعايير المتوفرة.
  • التخطيط للدرس البحثي وإجراؤه.
  • جمع البيانات خلال الدرس البحثي.
  • تقديم البيانات المستخلصة من الدرس البحثي ومناقشتها، واستنتاج مضامين للتعليم المستقبلي.

تغيرات في معايير البحث التربوي
قد تبدو الحاجات الثلاث المقترحة للبحث الدرسي – توسيع القاعدة المعرفية الوصفية، وتوضيح آلية التجديد، والحلقات البحثية القائمة على التصميم – منطقية تمامًا. إذًا لا يُعقل اقتراح تجديد تربوي بناء على أمثلة قليلة، أو إهمال الآلية التي يقوم عليها ذلك التجديد، أو تقويم تجديد قبل نضوجه وقبل عمل كل ما يمكن لتحسينه. وفيما يلي ستة تغيرات في معايير البحث التربوي يمكن أن تسِّهل على مجتمع البحث التربوي في الولايات المتحدة إضافة شيء ذي قيمة إلى البحث الدرسي وغيره من التجديدات التربوية:

1) الاعتراف بِ "البرهان المحلي" كوسيلة مشروعة للتحسين التربوي
يعتمد الاعتراف بالتجديد التربوي - بما في ذلك البحث المدرسي - في الولايات المتحدة على نتائج البحوث الموسعة والتراكمية، وهو واقع يتعارض بصورة واضحة مع ما يحدث في اليابان التي استعملت البحث الدرسي لأكثر من قرن دون إجراء أي تقويم ختامي. وقد يعود ذلك إلى أن معظم البحث التربوي في اليابان يسير وفق مسار "البرهان المحلّي" والذي تتراكم فيه المعرفة التعليمية عبر خطوات متدرجة تعتمد الخبرات المستقاة من تطبيق أسلوب البحث الدرسي في البيئات المحلية المتنوعة في اليابان، وليس من خلال الدراسات المركزية أو ذات المدى الواسع بما يُمثل مسار "البرهان العام". ويوضّح الجدول رقم (2) خصائص كل من المسارين البحثيين لنشر التحسّن في التعليم.
يعمل التربويون اليابانيون- باستعمالهم للبحث الدرسي - على نشر أفكارهم المتعلقة بتصميم التعليم على شكل دروس بحثية يُلاحظها المربون المحليون وغير المحليين بما في ذلك تربويون يعملون في الجامعات، ويناقشونها.
يتفحص المربون الذين يلاحظون الدرس عن كثب كلاً من عمليتي التعليم والتعلم ومبرراتهما، ويتوصلون إلى معانيهما من خلال المناقشة، ويقومون - أحيانًا - بإعادة تشكيل ممارساتهم ودروسهم البحثية نتيجة لذلك. وعندما يفعلون ذلك، فإن المعايير المشتركة بينهم حول التعليم والتعلم تبدأ بالتغير، كما في حالة الانتقال من "التعليم كوسيلة للاختبار" إلى "التعليم من أجل الفهم" على مدى عدة عقود من تعليم العلوم في المرحلة الابتدائية في اليابان.
اتخذ مشروع الكتابة الوطني في الولايات المتحدة – في الواقع - أسلوبًا مماثلاً من الإصلاح الذي اعتمد على البحوث الجامعية، ولكنه كان في جزء كبير منه ثمرة مبادرات المعلمين المشاركين في الملاحظة والنقاش المشترك للدروس وأعمال الطلاب. أي أنه في كلتا الحالتين - تطوُّر البحث الدرسي الياباني ومشروع الكتابة الوطني - وُجد تعاون وثيق بين الباحثين المعلمين في المدارس والباحثين الجامعيين؛ إذ كان الطرفان، في مسار البرهان المحلي، باحثين تربويين.
تتولى وزارة التربية والتعليم والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا اليابانية دعم مسار البحث المحلي من خلال تمويل البحوث المدرسية عبر اليابان كلها في المدارس التي تطلب اعتبارها "مدارس بحثية" لتجديدات المناهج قيد الاعتبار. وينشغل المعلمون - على مدى سنوات عدة بعد التفكير بتجديد معيّن أو البدء بتفعيله - في حلقات من البحث الدرسي في المدارس التي حُدّدت أنها مدارس بحثية، يشاركهم في ذلك متخصصون من الجامعات ومعلمون مشهورون على مستوى الوطن من ذوي الاهتمام في ذلك التجديد.
ويدرّس المعلمون في المدارس المخصصة للبحث، المناهج والمواد التعليمية الراهنة (وتضم غالبًا طرائق وأساليب من الخارج)، ويعدّلون أو يطورون طرائق يعتقدون أنها ستنجح في بيئاتهم، ويدرسون استجابات الطلاب للأنماط الجديدة من التعليم. وبعد الانتهاء من حلقات البحث الدرسي الداخلية، يطبق المعلمون دروسًا بحثية عامة تُبرز الرؤية المحلية لهذا التجديد، وتُمكن التربويين الزائرين من ملاحظة أساليب التعليم وأنماط تعلم الطلاب وتطورهم، وتوفر منتدى عامًّا للنقاش الحيوي للنظرية المحلية التي تفسّر التجديد.

الجدول رقم (2): مساران بحثيان لتعميم التحسن في التعليم

خصائص المسار

مسار البرهان العام

مسار البرهان المحلي

الوصف

يبرهن على فعالية التجديد بالدراسة المضبوطة ثم يتبع ذلك التخطيط لنشر التجديد.

يُبنى التجديد أو يعاد بناؤه محليًا. تُستعمل البيانات المحلية لتقويم فاعلية التجديد أو تحسينها.

منتجات البحث وضماناته

يُحدَّد التجديد بصورة جيدة، ويُصمّم بحيث يكون قابلاً للنقل عبر المواقع المختلفة. يكون الدليل السببي على تأثير التجديد قويًّا في المواقع الأصلية.

قد يختلف التجديد من موقع إلى آخر، ومن وقت إلى آخر. وربما يكون الدليل على السببية ضعيفًا.

التفاعل بين التجديد والموقع

يكون منخفضًا أو ضعيفًا. يُصمَّم التجديد لكي يكون قابلاً للنقل، وتكون له آثار ثابتة عبر المواقع وعبر الأوقات المختلفة.

يُمكن أن يعتمد التجديد على الكفاية المحلية، ويُصمّم لكي يَبني هذه الكفاية. وقد يَتحوّل التجديد، أو تحوله المواقع عبر الزمن.

النشر

يُخطّط للنشر تخطيطًا مركزيًا للمحافظة على الجوانب الفعالة. ويحدث النشر عادة بعد ثبوت فاعلية التجديد، من خلال تجارب ضابطة.

يمكن أن تحدث المبادرة المحلية للنشر في أي وقت.

مرونة التجديد

تكون المرونة محدودة في المرحلة الأولية للبحث المضبوط لتجنب التنفيذ الضعيف. "فمصداقية" التنفيذ على درجة كبيرة من الأهمية في مواقع النشر كافة.

التعديلات المستمرة ممكنة. والتعديلات المحلية متوقعة، وتبحث باعتبارها مصادر محتملة لتحسين تصميم التجديد ونظريته. كما أن من المحتمل حدوث "طفرات مميتة".

مأسسة التجديد

لا تتضح مأسسة التجديد إلا بعد سحب الضوابط الخارجية والحوافز المرتبطة بالنشر.

يمكن أن يتطابق التجديد مع البنى المحلية منذ البداية، مما يسهّل ظهور عملية المأسسة في وقت مبكّر.

القاعدة المعرفية

يجب المحافظة على القاعدة المعرفية مركزيًا، بحيث تتضمن المعرفة المتعلقة بمسائل البحث كافة.

يمكن أن تكون القاعدة المعرفية محلية، وأن تُدمج بالبنى المحلية، وتشمل المعرفة اللازمة محليًا فقط.

نقاط القوة الرئيسة

الاستدلالات السببية القوية ممكنة. التجديد معرّف جيدًا ويمكن استعماله عبر مواقع متنوعة.

التعديلات ممكنة وكذلك الملكية والتحسين والنشر المحلي. يمكن استعمال البيانات المحلية لضمان الفاعلية.

وبمرور الزمن، يمكن أن تنشر الممارسات والنظريات المحلية التي تثبت جدواها، وتعتمد على نطاق الدولة ككل، وتُضمّن حتى في السياسة الوطنية للتربية.

2) الاعتراف بتناوب استعمال البرهان "المحلي" و"العام"
يقترح الجدول رقم (2) أن التجديد يكون ملائمًا للبرهان العام إذا كان من السهل تحديده، وكان يتفاعل قليلاً (أو بطرق قابلة للتنبؤ) مع السياقات المحلية، ويمكن فصله بسهولة عن هذه السياقات. ولكن الصفات التي تجعل التجديد ملائمًا للبحث التجريبي يُمكن - في الوقت ذاته - أن تعيق ذلك البحث في المرحلة اللاحقة من النشر الواسع. وتشمل هذه الصفات- على سبيل المثال- المواصفات الخارجية التي تحدّ من الشعور المحلي بالملكية، والتبسيط الذي يسهّل النقل والاستعمال الواسع ولكن على حساب الجودة، وتشكيل صورة من التسوية تضم مظاهر لعدد كبير من المواقع لكنها ليست معدّلة لتناسب أيًّا من تلك المواقع، والتركيز على الولاء للتصميم الأصيل الذي يُعيق التحسن المستمر. وبالمقابل، فإن الخصائص التي تجعل أي تجديد (كالبحث الدرسي مثلاً) صعب الدراسة بطريقة جيدة الضبط – كتكييفه للظروف المحلية، والاعتماد على التزام المعلمين المحليين وقياداتهم، والتجديد بمرور الزمن – ستكون هي ذاتها التي تغذي مأسسة التجديد وانتشاره السريع. لقد كان المعلمون لاعبين أساسيين في الانتشار السريع للبحث الدرسي في الولايات المتحدة، وانتشاره الواسع بشكل تطوعي في اليابان.

3) مدى معقولية إجراء بحوث ختامية وأخلاقيته
يتمثل أحد جوانب الضعف في مسار البرهان العام في أن "استعمال المحاولات العشوائية قد يعيق دراسة التجديد بالحكم على فاعلية استعماله قبل الوقت المناسب".ونظرًا لتنوع نماذج البحث الدرسي المنتشرة الآن في الولايات المتحدة، فإن الاستنتاجات المستخلصة من أحد هذه النماذج قد لا تتعلق إلا قليلاً بالنماذج الأخرى. ومع ذلك، فإن تجربة ضابطة عشوائية واحدة تُبيّن أن البحث الدرسي "غير الناجح" يمكن أن يُغلق الباب أمام انتشار البحث الدرسي في الولايات المتحدة، وترسله إلى المقبرة التي تضم كثيرًا من التجديدات التربوية التي كانت واعدة في يوم من الأيام، دون أن يأخذ أي منها فرصة كافية لفهمه أو تنفيذه. متى يكون إخضاع تجديد جديد كالبحث الدرسي للدراسة الختامية، أمرًا أخلاقيًا؟ من المنطق أن نطلب أن يكون التجديد متطورًا جدًّا (أي من غير المحتمل أن يستفيد من أي تحسينات أو بحوث لاحقة) وأن يكون قابلاً للنقل قبل إخضاعه لمحاولات بحثية ختامية، لكن من المهم جدًّا توفير قاعدة نظرية قوية ومعلومات وصفية شاملة، لتزويد الباحثين بأساس عقلي لفهم العلاقات السببية، قبل إجراء البحوث الختامية.

4) التعريف المنتج للبحث الدرسي
يمكن أن يُكون التعريف المنتج للبحث الدرسي بهدف إجراء البحوث الختامية المضبوطة قائمةً من الجوانب القابلة للملاحظة. لكن هذه الجوانب لا تعود إلى التغيرات المعروضة في الجدول رقم (2)، فهناك عوامل محلية كثيرة مؤثرة. فدراسة المنهاج والمعايير – مثلاً - تغذي معرفة المعلمين فقط إلى الحدّ الذي تدعم فيه المناهج والمعايير المحلية مناقشاتٍ أكاديمية وتربوية غنية. فالمنافسة المحلية وأولوياتها المنتشرة قد تُصعّب على المعلمين العمل معًا بما يحقق البحث الدرسي المستهدف. فالبحث الدرسي يعتمد على معرفة المعلمين المحليين، والتزامهم نحو المجتمع المحلي، ومصادر التعلم.
يمكن أن يكون أحد الحلول للتفاعل بين البحث الدرسي والخصائص المحلية تحديدَ خصائص البحث الدرسي بالتفصيل الشديد – كأن نحدد – مثلاً- أن على المعلمين دراسة مناهج ممتازة معينة، أو أن التفاعل الجماعي يجب أن يلبي معايير جودة معينة- لكن عملية تجميع مثل هذه القوائم من الجوانب القابلة للملاحظة، وإثبات موثوقية ملاحظتها، تبدو أقل فائدة من استعمال الفيديو أو النواتج العملية الأخرى.

5) التشجيع على التحسين
يتساءل صانعو السياسات التربوية والباحثون الجامعيون في الولايات المتحدة عما إذا كان البحث الدرسي ناجحًا. هذا السؤال قد يكون مرادفًا للسؤال "هل التعليم ناجح؟"؛ إذ تعتمد الإجابة في كلتا الحالتين على تفاصيل القياس بالمهمتين. لقد بدأنا الآن فقط نفهم العمليات المحددة التي تجعل البحث الدرسي ناجحًا، وهي: اختيار مهامّ تكشف عن تفكير الطلاب، وتصميم أدوات تدعم جمع المعلمين للبيانات، وصياغة بروتوكولات للنقاش تركّز على تعلم الطلاب. وقد تفتقر مجموعات البحث الدرسي المبتدئة في الولايات المتحدة إلى هذه العناصر، ممّا يُصعّب عملية تحديد واختبار الأدوات والعمليات التي تجعل البحث الدرسي فاعلاً. تُشير بعض البحوث إلى أن فاعلية التجديد يُمكن أن تتضاعَف مئات المرات من خلال حلقات التحسين والاختبار. ومع ذلك فإن عوامل عديدة يمكن أن تُثبط الباحثين التربويين عن العمل المهم والملحّ المتعلق بالتحسين.
فأولاً: قد يُنظر إلى توليد الأفكار الكبرى وفحصها – وليس تحسين الأفكار المألوفة – على أنه العمل الرئيس للباحثين التربويين، وعلى أنه العمل الذي يستحق الاهتمام والتمويل والمكانة المرموقة. وقد يكون الباحثون التربويون – كمجموعة - مدمنين على الأفكار الجديدة، ويتجاهلون التحديات الذهنية الكبيرة التي يتضمنها تحسين الأفكار القديمة لكي تنجح في المواقف المختلفة. وثانيًا: تُفضل المجلات عمومًا نتائج البحوث الختامية؛ فهناك منافذ محدودة جدًا لنشر تبادل النماذج التي في مرحلة التطوير، كتلك التي في الجدول (2). وأخيرًا: فإن طرائق البحث التجريبي المستخدمَة في تحسين الأفكار الكبرى وتعديلها لتناسب المواقف الواقعية المتعددة، أقلُّ ألفة لكثير من الباحثين وأقلُّ تطورًا من نظيراتها الختامية، وهي تعج بالخلافات الكثيرة حول ما يكوّن الثبات والدليل على السببية وغيرها. فليس هناك اتفاق -على سبيل المثال- على معايير اختيار أمثلة عن تعلم المعلمين، من تحليل ساعات من أشرطة الفيديو، أو عن استخلاص استنتاجات حول ما الذي يغيّر تفكير المعلم، أو عن معرفة عدد أمثلة التعلم التي تؤهل التجديد لأن يكون "فاعلاً"، أو عدد الأمثلة المضادة التي تجعل منه تجديدًا "غير فاعل".
يقدّم نظام التعليم الابتدائي في اليابان مثالاً مثيرًا عن قوة التركيز واسع المدى على تحسين الأفكار. فبينما ينتقد اليابانيون أنفسهم لأنهم يستوردون كثيرًا من الأفكار، إلا أننا نلفت الانتباه إلى ما استفاده هؤلاء اليابانيون من تحسين الأفكار الكبيرة ونشرها، تلك التي وصلت إليهم من الولايات الأميركية؛ بما في ذلك أفكار "جون ديوي"، و"جورج بوليا" وإصلاحات الرياضيات والعلوم الأمريكية التي تلت إطلاق "سبوتنك" إلى الفضاء. كل هذه الأفكار خضعت لتحسينات منتظمة قام بها ممارسون يابانيون من خلال عملية البحث الدرسي، وساهمت في إنجازات اليابان في مجال التربية الابتدائية.

6) التعلم عبر الحدود
كثيرًا ما يواجه الباحثون التربويين، افتراضًا مفاده أن المواقع التربوية يجب أن تكون متشابهة لكي تسمح للمربين أن يتعلموا من ممارسات بعضهم بعضًا، أي أن المدارس الأميركية لا تستطيع أن تتعلم من المدارس اليابانية، وأن المدارس التي تخدم طلاب المستويات الاقتصادية الدنيا لا تتعلم من المدارس التي تخدم طلاب المستويات الاقتصادية العليا، وهكذا. ولا شك أن التشابه يدعم بعض عمليات التعلم؛ لكن عدم التشابه قد يدعم عمليات أخرى للتعلم، كأن نكون على وعي بقيمنا وافتراضاتنا الذاتية، وتغيير فكرتنا عن معنى تعلم موضوع معين، أو مراجعة توقعاتنا عما يمكن أن يكون ممكنًا في المدارس.
إن المسافة بين نظامي التعليم الأميركي والياباني يفترض أن تكون متساوية سواء نظرنا إليها من الجانب الأميركي أم من الجانب الياباني. لكن الباحثين اليابانيين استفادوا من الممارسات التربوية الأميركية أكثر مما استفاد الأميركيون من ممارسات اليابانيين. وقد يميل البعض إلى نفي أن تكون هذه المفارقة بسبب اللغة اليابانية، إلاّ أن من الجدير بالذكر أن بعض المواد الدراسية: كالتاريخ، والاقتصاد، والقانون، والإدارة، تستقطب باستمرار علماء ذوي خبرة باللغات الآسيوية والبحوث ذات العلاقة.

نسخة للتحميل


Educational Researcher, Vol. 35. No.3, 2006.
عدد المشاهدات: 3209

يتطلب تشغيل بوابة مشروع الرياضيات والعلوم:
• مستعرض Explorer إصدار رقم 7 فما فوق
• أو مستعرض FireFox إصدار 3 فما فوق