ستة سلوكات تعليمية شائعة لا تيسّر التعلّم
ستة سلوكات تعليمية شائعة لا تيسّر التعلّم
يتصرف كثير من المعلمين تصرفات غير ذكية تُحبط أهدافهم وتثبط تعلّم طلابهم. وقد وثّقت أدبيات البحث العلمي بالتفصيل العلاقة بين سلوك المعلمين - كما يدركه طلابهم - وبين نوعية التعلم ومقداره، وأثر ذلك السلوك على دافعية الطلاب، وعلى التواصل بين المعلمين والطلاب.
ومن القضايا المهمة في هذا المجال العلاقة بين النوايا والأفعال: فما يفعله المعلمون والكيفية التي يفعلونه بها تترك أثرًا في الطلاب أكبر مما يقولونه لهم. وفيما يلي توضيح ستة سلوكات معيقة للتعلّم الجيد يقوم بها المعلمون:
1)وقت الانتظار غير الكافي
إن الطلاب الذين يلاحظون أن معلمهم يجيب عن معظم الأسئلة ولا ينتظر منهم أي إجابة، يتزايد اعتمادهم على هذا المعلم ليفكر نيابة عنهم. ويعني "وقت الانتظار" هنا مقدار الوقت الذي ينقضي بعد أن يطرح المعلم السؤال وقبل أن يجيب عنه، أو يعيد طرحه أو صياغته، أو يضيف معلومات جديدة عليه، أو يقبل إجابة أحد الطلاب عنه.
إن الطلاب بحاجة إلى أكثر من بضع دقائق لكي يعالجوا المعلومات المقدمة لهم. وعندما يتحول المعلم إلى متحدث لا يتوقف، ويملأ كل لحظة صمت ممكنة بصوته، فإنه لا يترك للطلاب أي فرصة للتفكير فيما قيل لهم، أو لصياغة إجابات ذكية، أو الاستفسار عن أي توضيحات؛ إذ إنّ المعالجة الذهنية للمعلومات قد تكون مصحوبة بتحليل لفظي أو حديث داخلي. لذا إذا كان تسهيل تعلم الطلاب أمرًا مهمًا جدًّا، فيجب على المعلم أن يُراعي الفروق الفردية بين الطلاب، بإتاحة بعض الوقت لهم للتفكير في السؤال، والتعبير اللفظي عن إجاباتهم.
فالطلاب الذين يلاحظون أن معلمهم يجيب عن معظم أسئلته ولا ينتظر حتى يجيب أي منهم عليها سيتزايد اعتمادهم عليه ليفكر نيابة عنهم. وبالمثل، فإن قبول الإجابة بسرعة يقطع الطريق أمام الطلاب الآخرين لإجراء مزيد من المعالجات والتحليلات الذهنية للمعلومات. قد يقول المعلمون إنهم يشجعون التفكير الذاتي عند الطلاب، لكن إذا لم يراعوا مدّ وقت الانتظار فإن ما يقولونه سيكون مجرد كلام منمق لا يرافقه أي تغير حقيقي في السلوك الفعلي.
وتشير الدراسات أنه عندما تم تدريب المعلمين على زيادة وقت الانتظار من ثانية واحدة إلى 3-5 ثوان، حدثت تغيرات عديدة في سلوك الطلاب، فقد زاد عدد الاستجابات التلقائية وطولها، وتناقص عدد الإجابات الفاشلة، وزاد عدد المقارنات بين إجابات الطلاب. ويمكن للمعلمين المهتمين بإعادة هذه التجربة في صفوفهم أن يقيسوا زمن الانتظار، ثم يزيدوا عمدًا فترات الصمت التي تسمح بالتفكير سواء بعد طرح السؤال أو بعد تلقي الإجابة.
2) المكافآت السريعة
إن سرعة تقبل المعلم للإجابة الصحيحة تجعله منحازًا للمتحدث أو المفكر الأسرع. تأمل في هذا التعليق الفوري للمعلم على أول إجابة عن سؤاله "هذا صحيح، ممتاز" والنتائج التي يتركها ذلك التعليق على معالجة الطلاب للمعلومات وتحليلهم الذهني لها، كأن المعلم هنا يؤكد انتهاء أي تفكير بعد تلك الإجابة؛ فيعيد مباشرة الإجابة بكلماته الخاصة، أو يكررها حرفيًا، أو يوضحها، ثم يمضي إلى الموضوع التالي. وبما أن التعلم عملية فردية تمامًا، فإن الناس يتعلمون بسرعات مختلفة وطرائق متنوعة. وتقبّل المعلم للإجابة الصحيحة الأولى يشير إلى تفضيله للمتحدث أو المفكر الأسرع الذي ينهي عملياته الذهنية قبل غيره، منهيًا إجابات الطلاب الذين مازالوا في منتصف عملية التفكير في وقت مبكر.
ومن مظاهر هذا الموضوع الصوت الخافت لإجابة طالب متردد يجلس قريبًا من المعلم. إن الوعي بعواقب هذا السلوك مهم جدًا، لأن كثيرًا من الطلاب يستجيبون بصوت خافت لأسئلة المعلم عندما يكونون قريبين منه. وكثيرًا ما يبدي الطلاب الذين يجلسون بعيدًا عن مدى السمع شعورًا بالإحباط أو الحيرة، أو عدم الاهتمام، عندما يسرع المعلم إلى مكافأة إجابة خافتة يصعب عليهم سماعها. ولكي تحسّن هذا الموقف، عليك أن تشجع الحوار بين الطلاب، ومناقشتهم لبعضهم، ونقد أفكار بعضهم بعضًا. جرّب أن تحدّد وقت الانتظار بعد أن تقدم لك الإجابة الأولى، وألق نظرة تفحّص على الطلاب الآخرين تطلب فيها بشكل غير مباشر تعليقاتهم، واطرح سؤالاً على الطلاب الذين يجلسون في مؤخرة الصف مثل: "ما تحليلكم لما سمعتموه الآن؟" من المهم أن تتحرك دائمًا من مكان إلى آخر في الصف لكي تُتيح لأكبر عدد ممكن من الطلاب الإحساس بقربك منهم.
3) الإجابات المبرمجة
وهي إجابات يُتبعها المعلم مباشرة لأسئلة، ومن ذلك:
- "ما الحيوانات التي تهاجم حشرات فرس النبي؟ القطط تقتلها، أليس كذلك؟
- "لماذا استعملت هذا القانون؟ هل لأن السؤال عن قانون نيوتن الأول؟
- "ماذا تشاهدون في هذه الشجيرة؟ هل ترون كيف أتلفت الحشرات جذورها؟
إن الإجابات المبرمجة لا تحرم الطالب من التعبير عن أفكاره بتوجيه انتباهه نحو الإجابات التي يتوقعها المعلم فقط، وإنما تنقل له رسالة بأن المعلم لا يهتم كثيرًا فيما يفكر أو يقول. وبالرغم من أن المعلم قد يبرر سلوكه هنا بقوله مثلاً: "إن الصمت الذي يعقب طرح السؤال محرج للطلاب"؛ أو " أشعر أنني مجبر على مساعدة الطلاب باقتراح بعض التلميحات"، إلا أن عليه أن يسأل نفسه بكل أمانة " من الذي يشعر بعدم الارتياح بعد ثانية أو ثانيتين من الصمت: أنا أم الطالب؟" و "هل لدي الثقة بقدرة الطالب على التفكير بالسؤال وصياغة إجابة مناسبة له؟"، وأهم من ذلك كله " هل أنا مهتم بما سيقوله الطالب أم بتحديد الإجابة التي يفضلها من إجاباتي؟" صحيح أن الإجابات المبرمجة يمكن أن تكون أداة فاعلة عندما يرغب المعلم في توجيه تفكير الطلاب وجهة معينة، أو يقترح الاحتمالات الممكنة، أو يقدم للطلاب نموذجًا على عمليات التفكير المنطقية، لكن من المهم أن يكون المعلم واعيًا بنواحي قصور هذا السلوك في فتح المجال أمام تنوع واسع من الأفكار المحتملة. إن المعلم، من خلال هذا المسار الأخير، يمكن أن يبيّن اهتمامه بأفكار الطلاب ويقدم لهم نموذجًا لسلوك التعلم الاستقصائي. إن رغبة المعلم في الاستماع يساعد على توفير جو تفاعلي في الصف بدل العلاقات الفوقية بين المعلم وطلابه.
4) أسئلة التغذية الراجعة غير المحددة
يشعر كثير من المعلمين أنه يوجد ما يبرر افتراضهم بعدم وجود أسئلة عند طلابهم، إذا لم يستجيب أحد للسؤال " هل هناك أي أسئلة؟ هل فهم الجميع ما أعنيه؟" ومع أن المعلمين يزعمون أنهم يطرحون هذه الأسئلة ليتعرفوا مدى استيعاب الطلاب للدرس، إلاّ أنها تفشل عادة في تزويدهم بتغذية راجعة مناسبة. والسؤال هنا: لماذا تفشل الأسئلة في ذلك؟ يمكننا افتراض احتمالين، يتعلق أحدهما بطبيعة الطلاب، ويتعلق الثاني بطبيعة الأسئلة.
فالطالب عادة لا يرغب أن يجذب الانتباه إلى جهله عندما يطرح المعلم السؤال على الصف كاملاً " هل يفهم الجميع ما قلته؟" ومن المثير للاهتمام أن من يستجيب للسؤال عادة هم أولئك الذين يستوعبون الدرس، لكنهم يحتاجون إلى توضيح نقطة بسيطة فقط. أما الذين لم يستوعبوه جيدًا، فيخجلون غالبًا من جذب الانتباه إليهم بهذه الطريقة العلنية. ويشعر هؤلاء عادة بارتباك كبير يمنعهم من التفكير في أي أسئلة. ومع ذلك فهؤلاء هم الذين يحتاجون إلى أكبر قدر من المساعدة. فكيف يمكن أن يقرر المعلم ما فهمه هؤلاء الطلاب وما لم يفهموه.
قارن بين هذه الأزواج من الأسئلة:
أ-"هل يوجد سؤال لدى أيٍّ منكم؟"
ب-"دعونا نفكر الآن في أمثلة أخرى لتطبيق هذا القانون".
أ-"هل فهم كل منكم كيف توصلت إلى هذه الإجابة؟"
ب-"لماذا عوّضت هذا العدد مكان المتغير س في هذه المعادلة؟"
أ-"من يريد أن أشرح هذه النقطة مرة ثانية؟"
ب- "ماذا نستنتج من هذا الرسم البياني؟"
يجب أن تسأل نفسك دائمًا:" ماذا يجب أن يقول طلابي أو يفعلوا حتى يثبتوا لي درجة فهمهم للدرس؟" وبناء على ذلك يمكنك صياغة سؤال أو أكثر يزودك بفكرة أوضح وأشمل عن مدى استيعاب الطلاب للدرس.
5) علاقة تضخيم المعلم لذاته في المناخ الصفي
فكِّر في الآثار التي تتركها عبارات كالتالية على رغبة الطلاب بالإجابة عن أسئلتك:
- "بما أنني شرحت هذه النقطة عدة مرات، فيجب أن تكونوا جميعًا قد عرفتم كيف تعربون هذه الجمل".
- "من الواضح أنكم عندما تستعملون هذه المعادلة، فإنكم سوف......."
- "هل فهم الجميع التفسير الذي قدمته لكم؟ لا بدّ أنه الآن أصبح واضحًا تمامًا".
- "حسنًا، حاولوا الآن أن تعيدوا صياغة إجابتكم كما أقولها أنا تمامًا".
يجب أن يشعر الطلاب أنهم "آمنون" نفسيًا عند مشاركتهم، وتجريب أفكار جديدة، أنه من الطبيعي أن يخطئوا كما يصيبوا. وسلوكك المحدد مهم في بناء مناخ صفي آمن ومريح للطلاب. فالتعلم عملية نشطة تتطلب أن يتفاعل الطلاب مع الأفكار والمواد المطروحة. إن استمرار المعلم بالكلام، وشعوره أنه مجبر على التعليق على كل فكرة يطرحها الطلاب، وتصميمه على أن يكون دائمًا من يتخذ القرار، ومقاطعة الطلاب والتحكم فيهم وإرهابهم سواء بخبرته التي تفوق خبراتهم أو بالعلامات ـ كل ذلك يمثل أشكالاً من السلوك تقلل من مشاركة الطلاب في العمليات الضرورية للتعلم النشط. يلاحظ أن مشاركات الطلاب تزداد عندما لا يخفي المعلمون بعض جوانب جهلهم، أو عندما يترددون أحيانًا في طرح بعض المعلومات أو الأسئلة، وعندما تكون إجاباتهم ناجمة عن رغبة حقيقية في مساعدة الطلاب وليس استعراضًا لمعرفتهم.
وفيما يلي بعض السلوكات التي يمكن أن تشجع على تأسيس بيئة داعمة للمشاركة:
- تَذكُّر إجابات الطلاب وأسئلتهم والإشارة إليها.
- الموافقة على آراء بعض الطلاب في أثناء المناقشات.
- الاعتراف بالأخطاء وجوانب القصور الذاتية.
- صياغة أسئلة مفتوحة النهايات تسمح بالتعبير عن الآراء والتفسيرات الشخصية للبيانات.
- تقبل حق الطالب في أن يخطئ ويصيب.
- تشجيع الجهود المشتركة لتحقيق أهداف التعلم، ومن ذلك القول للطلاب: كيف يمكنني مساعدتكم في تعلم هذا الموضوع بأفضل صورة ممكنة؟
- تشجيع الطلاب على المشاركة في مسؤولية التعلم والتعليم، ومن ذلك السماح لهم بالإجابة عن أسئلة زملائهم.
- تحرير النفس من عبء التفكير في أن الطلاب لا يمكن أن يتعلموا خارج الصف، أي تعلم شيء لم يُشرح في الحصة.
- جذب الطلاب للمشاركة في تقويم تعلمهم، كأن يشتركوا في صياغة بعض أسئلة الاختبارات، ويشاركوا في التصحيح الجماعي لبعض الاختبارات.
6) الاقتصار على مستوى متدنٍّ من الأسئلة
يمكن أن تكون الأسئلة جانبًا محوريًا من جوانب تطوير القدرات المفاهيمية، والأساليب التحليلية، وتجميع الأفكار وتركيبها. لقد افترض بلوم (1956) أن القدرات المعرفية تكون في مستويات متزايدة التعقيد. فيبدأ الفرد عادة بالمعرفة، أي بتفاصيل المعلومات، ثم ينتقل إلى الاستيعاب، فالتحليل، فالتركيب وينتهي بالتقويم. والمعلمون الماهرون يستعملون الأسئلة لتنمية جميع هذه القدرات. لكن غالبًا ما تثبت أسئلة المعلم عند مستوى المعرفة فقط. ومثال ذلك السؤال: ما المعادلة التي تعبّر عن العلاقة بين الحجم والكتلة والكثافة؟ أو: ما تعريف الكوكب؟
إن الإجابات المكوّنة من كلمة واحدة أو عبارة قصيرة، ويمكن أن يرددها الصف كاملاً على صورة أنشودة جماعية، تشكل غالبية الحوارات التي تدور في الصفوف، ولا تتطلب سوى القليل من الترابط في المادة، أو تنظيم الأفكار، أو تحليل البيانات. ومع أن بناء قاعدة صلبة من المعلومات والحقائق مهم لتعلم الطلاب، إلاّ أن الوقوف عند هذا المستوى من التفكير يعيق تطور المهارات العقلية العليا. فالأسئلة يمكن أن تساعد الطلاب في استعمال المعرفة والمعلومات لتحليل المفاهيم، وتكامل العلاقات المعقدة، وتقويم البيانات الجديدة.
إن وعي المعلم بمستويات الأسئلة التي يطرحها ومحاولة بناء هذه الأسئلة وتوجيهها نحو التحليل والتركيب والتقويم، يمكن أن يكون مفيدًا في مواجهة التوقف عند مستوى تذكر المعلومات.
مواضيع تربويّة
الادارة الصفية
التقويم
التطور المهني
التخطيط
التدريس
عدد المشاهدات: 1551
