تحقيق التميز في أوساط المعلمين وتكافؤ فرص التعلم في كوريا الجنوبية
تحقيق التميز في أوساط المعلمين وتكافؤ فرص التعلم في كوريا الجنوبية
نام- هوا كانغ وميونغ هونغ *
حدد أكيبا، ولي تندري، وسكريبنر (2007) مشكلتين في تعليم الرياضيات في الولايات المتحدة هما: (أ) نقص معلمي الرياضيات المؤهلين، و(ب) عدم تكافؤ فرص طلاب المستويين الاجتماعي والاقتصادي المرتفع والمنخفض في توفر معلمين مؤهلين لهم. وقد دعا أكيبا وزملاؤه إلى مزيد من البحوث للكشف عن مدى تحقيق كوريا الجنوبية ودول أخرى للتميز في أوساط معلميهم، وتكافؤ فرص توفر معلمين مؤهلين للطلاب. كما دعوا إلى مزيد من البحث حول ما يتوسط العلاقة بين توفر المعلمين المؤهلين للطلاب، وبين الفجوات في تحصيلهم. وقد وصف كاتبا هذه المقالة، السياقات والسياسات التربوية لكوريا الجنوبية ذات العلاقة بهذا الموضوع. ويقترح الكاتبان لتحقيق الجودة لدى المعلمين في الولايات المتحدة، اعتبار التعليم مهنة محترفة بدفع رواتب تنافسية للمعلمين، وتحسين ظروف العمل، وتقليل العبء الدراسي بما يوفر للمعلمين الوقت للتخطيط والنمو المهني. ولسدّ الفجوة في التحصيل، يوصي الكاتبان بتوفير فرص تعلمية إضافية، للطلاب الذين يفتقرون إلى مصادر خبرات من الأسرة والمجتمع المحلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اعتمادًا على البيانات المستقاة من التوجهات في الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم (TIMSS ) دورة عام 2003 حدّد موتوكو أكيبا وجيرالد لي تندري وجاي سكريبنر مشكلتين رئيسيتين في تعليم الرياضيات في الولايات المتحدة هما:
(أ) نقص في أعداد معلمي الرياضيات المؤهلين.
(ب) عدم تكافؤ فرص طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض في توفر معلمين مؤهلين لهم.
وهاتان المشكلتان منتشرتان في مراحل التعليم كافة في الولايات المتحدة من الروضة حتى الصف الثاني عشر، ولتحسين هذا الوضع في الولايات المتحدة، دعا أكيبا وزملاؤه إلى إجراء بحوث شاملة حول ما حققته دول أخرى، بخاصة كوريا الجنوبية وروسيا، من تميز في أوساط المعلمين، وتوفير معلمين مؤهلين للطلاب بشكل متكافئ. واستجابة لهذه الدعوة، نأمل توفير نظرة متفحصة في نتائج بحث أكيبا وزملائه، استنادًا إلى الأدب المرتبط بهذا الموضوع، وإلى خبراتنا كمختصين في مجال تدريب المعلمين في كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.
أورد أكيبا وزملاؤه (2007) ثلاث نتائج رئيسة هي:
- النتيجة الأولى: أن المؤشرات الكلية لتميّز المعلمين ترتبط ارتباطًا موجبًا ودالاً بالتحصيل في الرياضيات على المستوى القومي.
- النتيجة الثانية: أن الفجوات في التحصيل القومي والتحصيل الفردي بين طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض لا ترتبطان ارتباطًا دالاً؛ بمعنى آخر لا يتوقع مستوى التحصيل القومي حجم أي فجوة تحصيلية بين طلاب المستويين الاقتصادي الاجتماعي المرتفع والمنخفض.
- النتيجة الثالثة: أن الفروق في توفر المعلمين المؤهلين لا تتوقع فجوات التحصيل بين طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض.
إن المقارنة الدقيقة بين بيانات الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية تمثل النتيجة الأولى بوضوح: لقد حقق طلاب الدول التي تتميز بجودة معلميها تحصيلاً مرتفعًا. وكان ترتيب كوريا الجنوبية الثاني، بين 46 دولة، في تحصيل الرياضيات لدى طلاب الصف الثامن (مع متوسط للعلامات بلغ 589)، بينما كان متوسط علامات طلاب الولايات المتحدة 504، مما وضعها في الترتيب الخامس عشر. وقد ارتبط الفرق في التحصيل بجودة المعلمين، بمعنى أن نسبة أكبر من الطلاب في كوريا الجنوبية تعلموا الرياضيات على أيدي معلمين مؤهلين.
وتبعًا لمعيار أكيبا وزملائه، فإن سبب تحقيق كوريا الجنوبية للتميز لدى معلميها أن 4.8% فقط من المعلمين يعلّمون الرياضيات دون أن يكونوا متخصصين فيها أو في أساليب تدريسها؛ بينما كانت النسبة في الولايات المتحدة 29.7%.
ومع أن البلدين أظهرا اختلافًا ذا دلالة في علامات التحصيل، إلاّ أنهما اشتركا في وجود فجوة تحصيلية كبيرة بين طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض (زادت الفجوة في كلا الدولتين بحوالي 27% عن المعدل العالمي). وقد أوضحت هذه المقارنة النتيجة الثانية، أي عدم وجود ارتباط دال بين التحصيل وفجوات التحصيل. ففي الدول مرتفعة التحصيل مثل كوريا الجنوبية، لم تظهر بيانات الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم أن الفجوة التحصيلية كانت بالضرورة أصغر من الدول الأخرى.
النتيجة الثالثة كانت محيّرة فعلاً؛ فقد أظهرت الولايات المتحدة - فيما يتعلق بتوفر المعلمين المؤهلين - أن الفجوة بين طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض كانت كبيرة. لكن الوضع في كوريا الجنوبية كان مختلفًا، فقد كانت الدولة الوحيدة من أعلى خمس دول في التحصيل الطلابي التي توفر فيها لطلاب المستوى الاجتماعي الاقتصادي المنخفض معلمين مؤهلين، وبشكل أفضل من طلاب المستوى المرتفع. بدت بيانات الولايات المتحدة منطقية، من حيث توقع أن عدم توفر معلمين مؤهلين ينعكس على وجود فجوة كبيرة في التحصيل بين طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض. لكن البيانات الواردة من كوريا الجنوبية تتحدى الافتراض بأن تأهيل المعلم مصدر رئيس للتحصيل.
ظروف عمل المعلمين في مرحلة الدراسة المتوسطة
|
الدولة |
متوسط عدد طلاب الصف (أ) |
نسبة الطلاب إلى مجموع المعلمين (ب) |
عدد ساعات التعليم في السنة |
عدد ساعات العمل في السنة |
الراتب السنوي بعد 15 سنة من الخبرة (ج) (راتب البدء) |
نسبة الراتب السنوي بعد 15 سنة من الخبرة إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي |
|
كوريا الجنوبية |
36 |
20.8 |
570 |
1.613 |
51516 (30058) |
2.33 |
|
الولايات المتحدة |
24.9 |
15.1 |
1080 |
1368 |
41090 (32225) |
0.98 |
ملاحظة: البيانات من مؤشرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD (2007)
أ- المتوسط: 23.8
ب- المتوسط: 13.7
ج- بالدولار الأمريكي أو ما يعادله باستعمال مؤشر تعادل القوة الشرائية.
وحتى في تكافؤ توفر المعلمين المؤهلين، وُجد فجوة تحصيلية في كوريا الجنوبية مساوية لما في الولايات المتحدة. وقد دعا أكيبا وزملاؤه - بناء على هذه النتيجة المحيّرة - إلى إجراء بحث عن الفروق القومية في العوامل التي تتوسط العلاقة بين الفرص التربوية والفجوات التحصيلية.
سنحاول تاليًا الإجابة عن سؤال أكيبا وزملائه، عن كيفية تحقيق كوريا الجنوبية التميز والتكافؤ في تأهيل المعلمين، ثم نحدد العوامل الوسيطة المحتملة التي يمكن أن تفسر هذا اللغز في بيانات السياق التربوي في كوريا الجنوبية. ونأمل أن توفر هذه الاستنتاجات مزيدًا من الاستبصار في تعليم الرياضيات والسياسات ذات الصلة في الولايات المتحدة.
التميّز في أوساط المعلمين
تفحّص وانغ، وكولمان، وكولي وفيلبس (2003) الآليات التي تستخدمها 8 بلدان لتأهيل معلميها بناء على سبعة أبعاد في "السياسة التربوية" يعتقد أنها تؤثر في تزويد التربية بمعلمين مؤهلين. وقد اختلفت الولايات المتحدة عن كوريا الجنوبية في اثنين من هذه الأبعاد هما: (أ) السياسات في إعداد المعلمين، و(ب) السياسات في تعيين المعلمين (توظيفهم، وتثبيتهم في الخدمة الدائمة، وتعويضاتهم المالية). وقد وجد انجريسول (1999) أن كوريا الجنوبية
- بخلاف الولايات المتحدة - تجتذب لمهنة التعليم الأشخاص المؤهلين تأهيلاً عاليًا، وأن معدل المحافظة عليهم في الخدمة عاليًا جدًا. ويبدو أن مصدر هذه الفروق الجوهرية هو الوضع الاجتماعي الثقافي لمهنة التعليم في كوريا الجنوبية. ولا شك أن فهم الوضع يتطلب معرفة بالتقدير العالي الذي تحظى به مهنة التعليم والشروط المهنية اللازمة لهذه المهنة.
- التقدير العالي لمهنة التعليم في كوريا الجنوبية
اعتبرت مهنة التعليم في كوريا الجنوبية - تقليديًا - مهنة محترمة جدًا؛ وينبع ذلك الاحترام من الكونفوشيوسية وهي مصدر القيم الثقافية في كوريا. فقد ورد في أقوال كونفوشيوس: "الملك والمعلم والوالدان متساوون"، وهذا يعني بوضوح أنه يجب احترام الملك والمعلم والوالدين على قدم المساواة مقابل أعمالهم النبيلة. وهذا الاحترام يلخّصه تحذير كوري قديم يقول: "إياك أن تدوس حتى على ظل المعلم". ومع أن الثقافة الكورية تغيرت جذريًا بسبب عوامل التحديث، إلاّ أن الاحترام التقليدي للمعلم ما زال باديًا في المعايير العالية التي يحظى بها الدور المرموق للمعلم في المجتمع.
كما أن تركيز الكونفوشيوسية على الأدب الخالص الجميل وازدراء التعلم العملي يؤثر في الوضع الاجتماعي الثقافي لمهنة التعليم. وقد ترجمت المعاملة المختلفة بين الأكاديمي والعملي، في كوريا الجنوبية الصناعية، إلى تفضيل المهن التي تتطلب تعليمًا عاليًا مما يوفر تقديرًا اجتماعيًا عاليًا ودخلاً كبيرًا لأصحاب هذه المهن. والتعليم - بالطبع - موجه نحو التعلم الأكاديمي ويتطلب إعدادًا عاليًا. وهكذا فإن مهنة التعليم ترتبط بالتقدير الاجتماعي وتفضل على المهن الأخرى، إلى جانب الاحترام الثقافي التي تحظى به. ويرى كثير من الكوريين أن الاحترام والتقدير الاجتماعي لمهنة التعليم أهم كثيرًا من المردود المادي، مما يجذب الأشخاص المؤهلين عاليًا للعمل في مهنة التعليم.
- الشروط المهنية لتعيين المعلمين في كوريا الجنوبية
الشروط اللازمة للعمل في مهنة التعليم عامل محتمل من عوامل جودة مستوى المعلمين في كوريا الجنوبية. وتستعمل منظمة التعاون الاقتصادي والنمو حجم الصف، وأوقات عمل المعلمين، ورواتبهم السنوية مؤشرات على ظروف العمل لدى المعلمين. إن معدل حجم الصف في المرحلة المتوسطة يعادل 1.4 ضعفًا من مثيله في الولايات المتحدة، لكن معدل وقت التعليم الصفي في كوريا الجنوبية في السنة أقل من نصف مثيله في الولايات المتحدة (الجدول 1). وقد يعادل تعليم عدد قليل من الساعات لصف كبير الحجم فيما يتعلق بحجم العمل للمعلم تعليم ساعات أكثر لصف صغير الحجم. كما أن قلة ساعات العمل قد يعني وقتًا أقل لإعداد الدروس لأن المعلم قد يعلّم عددًا أقل من الصفوف المختلفة.
يشكل التعليم الصفي 35% فقط من وقت العمل الإجمالي للمعلم في كوريا الجنوبية، بينما يشكل 80% من وقت العمل الإجمالي في الولايات المتحدة. ويملك المعلمون في كوريا الجنوبية وقتًا أطول للمهام خارج نطاق التعليم الصفي. وحتى مع وجود هذه الفروق في حجم الصفوف، فإن الفرق الواضح في مقدار الوقت الذي يتوفر للمعلمين الكوريين خارج الصفوف قد يشير إلى أن هؤلاء المعلمين يتمكنون من إكمال المهام المرتبطة بعملهم داخل المدرسة (ومن ذلك التخطيط للدرس، وتصحيح الواجبات والاختبارات والأعمال الإدارية الأخرى)، بينما يتوجب على المعلمين في الولايات المتحدة إكمال هذه المهام خارج أوقات عملهم الرسمي.
وبالإضافة إلى الفرق في عبء العمل، يلاحظ وجود فرق شاسع بين رواتب المعلمين السنوية في البلدين، فالرواتب في بداية العمل لمعلمي البلدين متماثلة تقريبًا، لكن بعد 15 سنة من الخبرة تصبح رواتب معلمي الولايات المتحدة، أقل بكثير من رواتب معلمي كوريا الجنوبية (الجدول 1). كما يتمتع راتب المعلم في كوريا الجنوبية بقوة اقتصادية تفوق مثيلتها للمعلم في الولايات المتحدة بحوالي 2.4 مرة(الجدول 1). لذا يلاحظ أن كثيرًا من الخريجين الطموحين واللامعين يدخلون مهنة التعليم. وقد احتل التعليم مرتبة متقدمة في استطلاع وطني شامل للتفضيلات المهنية عند طلاب الروضة حتى الصف الثاني عشر في كوريا الجنوبية أُجري سنة 2007. كما يوفر تحليل لسوق العمل الكوري الجنوبي أجراه معهد العمل الكوري سنة 2004، بيانات قوية تفسر سبب تزايد شعبية مهنة التعليم. فعند إجراء مقارنة بين المهن التي تتطلب دراسة أربع سنوات جامعية أو أكثر، يلاحظ أن مهنة الطب تحتل الصدارة من حيث ارتفاع مستوى الدخل (27% فوق المعدل)، تليها مهنة التعليم (15% أعلى من المعدل)، ثم مهنة الهندسة (13% أعلى من المعدل). لذلك تستقطب مهنة الطب أعلى الطلاب إنجازًا، تليها مهنة التعليم فالهندسة. وعند مقارنة هذه النسبة بما هو في الولايات المتحدة، يلاحظ أن مهنة التعليم أقل جذبًا من المهن الأخرى فيما يتعلق بالرواتب. كما أن ظروف عمل المعلمين ليست مشجعة في الولايات المتحدة إذا قورنت بمثيلاتها في دول أخرى بما فيها كوريا الجنوبية.
- سياسات كوريا الجنوبية في استقطاب المعلمين وانتقائهم وتوظيفهم
إن الوضع الرفيع نسبيًا لمهنة التعليم في كوريا الجنوبية، والمرتكز على معتقداتها الثقافية وعلى الظروف المهنية، يتطلب عملية متعددة المراحل تشمل استقطاب المعلمين، واختيارهم، وتوظيفهم. يتوجب على الكوريين الجنوبيين الراغبين في الحصول على إجازة للتعليم أن يخضعوا لاختبارين أساسيين هما: اختبار دخول إلى برامج إعداد المعلمين، والاختبار الوطني لتوظيف المعلمين (NTET ). وتأتي غالبية الطلاب الذي يسجلون في برامج إعداد المعلمين من المدارس الثانوية مباشرة. وتعتمد لجان قبول الطلاب الذين يسجلون في برامج إعداد المعلمين أربعة معايير بأوزان مختلفة لكل معيار: سجلات المدرسة الثانوية (المعدل العام وتوصيات المعلمين)، وامتحانات القبول في الجامعة التي تجريها الدولة مرة واحدة في السنة،
وامتحانات مقالية، ومقابلات. وتستعمل هذه المعايير لتقدير الإعداد الأكاديمي، والقدرة العامة، والميول. وبما أن مهنة التعليم تحظى بشعبية كبيرة، فإن الطلاب مرتفعي التحصيل هم الذين يدخلون برامج إعداد المعلمين (وهم أعلى 10 % من خريجي المدارس الثانوية، وفقًا لتقرير معهد العمل الكوري سنة 2004).
وحين يحصل الخريجون على شهادة للتعليم، فإنهم يتأهلون للاختبار الوطني لتوظيف المعلمين، والذي يعدّه ويطبقه المعهد الكوري للمناهج والتقويم، للتنافس على الوظائف الشاغرة في المدارس الثانوية. ويقوّم هذا الاختبار معرفة المتقدم للوظيفة ومهاراته وميوله من خلال عملية ذات ثلاث مراحل: المرحلة التمهيدية (100 نقطة)، والمرحلة الثانوية (100 نقطة)، والمرحلة النهائية (100 نقطة). تتكون المرحلتان التمهيدية والثانوية من امتحانات كتابية تقوِّم معرفة مقدّم الطلب بالرياضيات (ويخصّص لها 52% - 56% من العلامة الكلية)، ومعرفته بالتدريس (20% من العلامة الكلية)، ومعرفته بأساليب تدريس الرياضيات (24% - 28% من العلامة الكلية). ويكون الامتحان التمهيدي من نوع الاختيار من متعدد والإجابات القصيرة، بينما يكون الامتحان الثانوي مقاليًا. وتشير نسبة كل مجال من مجالات التقويم إلى تركيز الاختبار الوطني على المعرفة بأساليب تدريس الرياضيات أكثر من تركيزه على المعرفة بأساليب التدريس العامة. ويقوِّم الامتحان النهائي المعرفة، والمهارات، والميول من خلال التعليم الفعلي والمقابلة.
وحالما يوظف المعلمون، فإنه يتم تثبيتهم في الخدمة تلقائيًا حتى سن الثانية والستين وهي سن التقاعد. وهذا الأمان الوظيفي عامل جاذب بلا شك في كوريا الجنوبية، حيث تحترم الوظائف والخدمات التي تدوم مدى الحياة وتقدر عاليًا.
ونظرًا لهذا التثبيت التلقائي في الخدمة، فقد أكدت الحكومة الكورية الجنوبية أهمية النمو المهني أثناء الخدمة. ويحق للمعلمين - بعد ثلاث سنوات من الخدمة - أن يسجلوا في برنامج تدريبي مهني معتمد من الحكومة، لمدة 5 أسابيع (180 ساعة) للحصول على شهادة متقدمة. وتمكن هذه الشهادة المعلمين من الحصول على زيادة في الراتب، وأحقية الترقية إلى مناصب إدارية في المواقع التربوية المختلفة. كما يطلب إلى المعلمين بعد السنة الرابعة من الخدمة أن يدرسوا 90 ساعة من مقررات النمو المهني كل ثلاث سنوات.
تكافؤ الفرص في توفر معلمين مؤهلين
يبدو أن زيادة احتمال تعليم الطلاب من قبل معلمين مؤهلين في كوريا الجنوبية تعود إلى ارتفاع نسبة هؤلاء المعلمين هناك. لقد حققت كوريا الجنوبية - في العقود الأخيرة - أسرع نمو اقتصادي في العالم، من خلال تطوير الموارد البشرية بشكل رئيس في ميدان التربية الرسمية. لقد كانت التربية أفضل طريق للتقدّم في كوريا الجنوبية، لارتباط التحصيل التربوي العالي هناك بفرص أكثر في سوق العمل، وبنجاح اقتصادي أكبر. لذلك يطلب الكوريون الجنوبيون من حكومتهم ضمان توفير تربية متكافئة للجميع. وتوجد سياستان حكوميتان - حاليًا - تشجعان ذلك: تنقلات المعلمين، والحوافز. فالمعلمون يعينون على مستوى المدينة أو المنطقة وتحدد مواقعهم في المدارس ثم ينقلون كل خمس سنوات إلى مدرسة أخرى ضمن المدينة أو المنطقة.
قد تبدو تنقلات المعلمين بين المدارس أمرًا شاقًا لدى معلمي الولايات المتحدة؛ لأنها تعني ضرورة تكيفهم مع بيئة مدرسية جديدة كل خمس سنوات. لكن المدارس في كوريا الجنوبية ذات مواصفات موحدة؛ مما يجعل التنقل بينها أمرًا معقولاً، حيث تتشابه معظم أوضاع المدارس في المرحلة المتوسطة، إذ يبقى الطلاب في الصفوف عادة وينتقل المعلمون من صف إلى آخر. ويعمل المعلمون - خلال فترات الاستراحة - في مكتب واحد واسع مشترك، مما يزيد من تفاعلهم ويمكنهم من تشارك مصادر التعليم، ويدعم المعلمين الجدد في المدرسة. كما أن وجود منهاج وطني موّحد يقلل من التباين في محتوى المنهاج، فلا يحتاج المعلمون إلاّ إلى التأقلم مع مواد المنهاج المختلفة كالكتب المقررة، ووسائل التكنولوجيا، والمعدات التعليمية.
يضاف إلى ذلك أن المعلمين يحصلون على حوافز لقاء عملهم في مدارس المناطق الأقل حظًا، بما في ذلك المناطق الريفية النائية، ومناطق السكان ذوي المستوى الاجتماعي الاقتصادي المنخفض. وتشمل الحوافز صفوفًا أصغر حجمًا، ونصابًا تدريسيًا أقل، وعلاوات إضافية، وفرصة اختيار المدرسة بعد الخدمة في المدارس الأقل حظًا، وإمكانية الترقية إلى مناصب إدارية. وتلعب فرص الترقيات دورًا حاسمًا في ذلك لأن المناصب الإدارية - في كوريا الجنوبية - مفضلة على غيرها كمرحلة ختامية من العمل في مهنة التعليم، سواء من حيث التقدير الاجتماعي أم الزيادة في الرواتب. تأخذ المناصب الإدارية في الولايات المتحدة مسارًا منفصلاً عن التعليم، في حين يستطيع المعلمون السابقون في كوريا الجنوبية، الذين قضوا سنوات عديدة في مهنة التعليم وحصلوا على تقدير وتميز عاليين أن يطلبوا الترقية إلى المناصب الإدارية بعد نمو مهني مناسب في الإدارة.
الفجوة التحصيلية والتكافؤ
بالرغم من وجود التكافؤ في توفر المعلمين المؤهلين، ما تزال هناك فجوة تحصيلية في كوريا الجنوبية، وهي فجوة لا تختلف في حجمها عما هو موجود في بلدان لا يتحقق فيها ذلك التكافؤ. ويمكن تفسير هذه الفجوة بين طلاب المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض بالحصول غير المتكافئ على التعليم الخصوصي السائد في كوريا الجنوبية، وهو تعليم يرتبط بمعتقدين اجتماعيين ثقافيين عن التربية، كما يلي:
- التركيز على الجهد
إن الحماس الشديد في أقطار شرق آسيا معروف جيدًا، وكوريا الجنوبية ليست استثناء لذلك. لقد أنتج عدد من العوامل حماسًا شديدًا للتربية والتعليم في كوريا الجنوبية؛ وتشمل هذه العوامل الاعتقاد الكونفوشيوسي أن النجاح يأتي من العمل الجاد، والتركيز الاقتصادي على تنمية الموارد البشرية، ودور التربية كأداة حاسمة لتقدم المجتمع. يعتقد الكوريون الجنوبيون أن الطلاب سينجحون في المدرسة إذا درسوا بجد، وبذلك فإن تخصيص مزيد من الوقت للدراسة هو الطريق الرئيس للنجاح. لقد انعكس هذا الاعتقاد على النتيجة التي بينت أن الطلاب الكوريين الجنوبيين في سن 15 سنة أفضل من طلاب 29 دولة أخرى تمت مقارنتها فيما يتعلق بالوقت الذي يقضونه في الدراسة. في سنة 2003، تلقى 75 % من الطلاب الكوريين الجنوبيين، في الصفوف 7-9، تعليمًا خارج المدرسة من خلال التعليم الخصوصي والدروس الإضافية قبيل الامتحانات. وقد تزيد نسبة المشاركة في هذا التعليم إذا أضفنا البرامج الأكاديمية التي تقدمها المدارس بعد انتهاء اليوم الدراسي. فقد أشارت بيانات المكتب الكوري الوطني للإحصاء إلى أن 22.1% من طلاب الصفوف 7-9 يشاركون في هذه الأنشطة الأكاديمية التي تُعقد بعد انتهاء اليوم الدراسي.
يقضي طلاب الولايات المتحدة وقتًا أطول في تعلم الرياضيات في غرفة الصف، وفي إكمال الواجبات المنزلية (6.5 ساعة أسبوعيًا)، وهذا يزيد عما يقضيه الطلاب الكوريون الجنوبيون في المهام نفسها ( 5.9 ساعة أسبوعيًا). لكن مشاركة الطلاب الكوريون في التعلم غير الرسمي أو التعلم الحر يعوض عن هذا الفرق ويزيد، حيث يقضي الطلاب الكوريون وقتًا أطول من طلاب الولايات المتحدة في حصص التقوية أو الحصص العلاجية التي تقدمها المدارس، وفي التعليم الخصوصي، وأشكال أخرى من الدراسة. فهم يقضون وقتًا في دراسة الرياضيات يزيد 2.5 ساعة أسبوعيًا عن طلاب الولايات المتحدة، ويشاركون في التعلم غير الرسمي خارج المدرسة بحوالي 3.1 ساعة أسبوعيًا أكثر من طلاب الولايات المتحدة. وتقدم المدارس في كوريا الجنوبية حصصًا علاجية وحصص تقوية أكثر من الولايات المتحدة (1.1 ساعة أسبوعيًا)، ويتلقى الطلاب تعليمًا خصوصيًا أكثر مما يتلقاه طلاب الولايات المتحدة (1.8 ساعة أسبوعيًا).
إن انتشار التعليم الخصوصي في كوريا الجنوبية يعكس القاعدة الاجتماعية لالتزام الوالدين بتعليم الأبناء، باعتبار أن تعليمهم هو طريق التقدم الاجتماعي. فقد شكّل ما أنفقته الأسر، في كوريا الجنوبية، عام 2003، على التعليم الخصوصي، 56% من مجموع الإنفاق القومي على التعليم الرسمي، ثم زادت هذه النسبة منذ ذلك العام. ومع أن كوريا الجنوبية قد حققت التكافؤ في فرص توفر المعلمين المؤهلين في التعليم الرسمي، إلاّ أن هذا التكافؤ لم يتحقق في مجال التعليم الخصوصي. لذلك أصبحت أدوار التعليم العام وتكافؤ فرص الحصول على تعليم خصوصي قضايا اجتماعية مهمة في كوريا الجنوبية.
يمكن أن يتباين التعليم الخصوصي كمًّا وكيفًا بناءً على كلفته. وقد تم بحث القدرة غير المتكافئة في الحصول على تعليم خصوصي في كوريا الجنوبية من ثلاثة جوانب تتعلق بالمستوى الاجتماعي الاقتصادي هي: دخل الوالدين، مستوى تعليم الوالدين، ومكان السكن؛ إذ لوحظ أن دخل الوالدين ومستوى تعليمهما يرتبط ارتباطًا موجبًا بمقدار ما تنفقه الأسرة على التعليم الخصوصي، فالأسر ذات الدخل العالي والتي يكون مؤهل الوالدين فيها جامعيًا، تنفق على التعليم الخصوصي لأبنائها أكثر من غيرها. كما أن طلاب المدن أقدر على الالتحاق بالتعليم الخصوصي. من طلاب الريف. وقد عُزي المستوى المنخفض لحصول طلاب الريف على التعليم الخصوصي إلى وجود عدد قليل من المعلمين الخصوصيين والمراكز التعليمية في الريف، إضافة إلى المستوى الاقتصادي المنخفض لعائلات الطلاب.
- حمّى التعليم
أدى النمو الاقتصادي المتسارع في كوريا الجنوبية لأن يصبح التعليم الثانوي العام سهل المنال، كما أصبحت الأبنية والتجهيزات المدرسية متماثلة في كافة مناطق البلاد. وما زال امتحان القبول في المدرسة الثانوية معمولاً به كما في الماضي، لكن علامات الاختبار تستعمل لاختيار الطلاب في مدارس معينة، كالمدارس المميزة، والمدارس المهنية، بينما يوزع الطلاب في المسار الأكاديمي العادي بالقرعة. وبقي اختبار القبول في الجامعات محافظًا على قيمته التاريخية وأهميته التي أوجدت ما يسميه الكوريون الجنوبيون "حمّى التعليم". وتدفع هذه الحمّى الطلاب إلى العمل بجد ليتمكنوا من دخول الجامعات العريقة كوسيلة لزيادة فرص نجاحهم وتقدمهم. وقد ازدهرت المؤسسات التي تقدم تعليمًا خصوصيًا بشكل مضطرد، وطورت أنظمة ضبط الجودة لديها لكي تنافس غيرها، فأصبحت بذلك جزءًا من الاقتصاد الكوري الجنوبي.
إن انتشار التعليم الخصوصي في كوريا الجنوبية يشوش على أثر التعليم العام في تحصيل الطلاب. فقد يفسر الالتحاق غير المتكافئ بهذا التعليم الفجوة التحصيلية بين الطلاب ذوي المستويين الاجتماعي الاقتصادي المرتفع والمنخفض. فمع أن المدارس العامة تزود الطلاب بفرص متساوية لتعلم الرياضيات من معلمين مؤهلين جيدًا إلاّ أن الطلاب القادرين على تحمل نفقات التعليم الخصوصي سيتفوقون على غيرهم في الأداء.
- استجابة الدولة
استجابت حكومة كوريا الجنوبية للمطالب الناجمة عن حمّى التعليم والفرص غير المتكافئة للتعليم الخصوصي، وأصدرت عدة قوانين لتزويد الطلاب الأقل حظًّا بفرص متساوية مع زملائهم، وبحثت في الوقت ذاته عن طرق توجه حمّى التعليم الناجمة عن الامتحانات الوجهة الصحيحة. تقدم الحكومة الآن دروسًا مجانية عبر التلفزيون أو الانترنت للطلاب الذين لا يستطيعون الحصول على تعليم خصوصي، وزادت أيضًا من البرامج الأكاديمية المقدمة بعد انتهاء اليوم الدراسي، وشجعت إدخال حل المشكلات الإبداعي في التقويم المدرسي وامتحانات القبول في الجامعات، للتقليل - قدر الإمكان - من التعليم الخصوصي المعتمد على التدريبات البسيطة. كما أسست الحكومة الكورية عام 1996 برامج عملية قوية للمتقدمين من المناطق الريفية، وتقدم الجامعات والحكومة حاليًا برامج خاصة بالبعثات والمنح للعائلات ذات الدخل المنخفض.
يشير الأدب والبيانات المتعلقة بالفجوة التحصيلية في كوريا الجنوبية، إلى أنه يمكن تفسيرها جزئيًا على الأقل بالفرص غير المتكافئة للحصول على تعليم خصوصي. لكن هذا التفسير لا ينطبق على الولايات المتحدة، إذا علمنا أن طلاب الولايات المتحدة عمومًا لا يأخذون تعليمًا خصوصيًا. لكن الذي يفسر هذه الفجوة في الولايات المتحدة - بدلاً من ذلك - عدم تكافؤ الفرص في التتلمذ على أيدي معلمين مؤهلين، لأن 81% من إجمالي وقت الدراسة يوجهه معلمو المدارس من خلال التعلم الصفي والواجبات المنزلية.
كما يشير الجزء الكبير نسبيًّا من الوقت الذي يقضيه طلاب الولايات المتحدة في حل الواجبات المنزلية (35% من إجمالي الوقت المخصص للدراسة) إلى الدور المهم الذي تضطلع به الأسرة. فعندما يعطى الطلاب مقادير كبيرة من الواجبات المنزلية، يصبح الدعم العائلي المتمثل بالإشراف المباشر أو توفير بيئة مشجعة مهمًا للغاية. وهكذا فإن أداء طلاب المستوى الاجتماعي الاقتصادي المنخفض (الذين يتم تحديدهم بناء على مستوى تعليم الوالدين والمصادر التربوية في المنزل) سيكون متدنيًّا بسبب نقص المصادر التربوية في منازلهم.
المضامين
ما تأثير هذه البيانات الكورية الجنوبية على السياسات التربوية في الولايات المتحدة فيما يتعلق بقوى المعلمين العاملة وتحصيل الطلاب وتكافؤ الفرص في التعليم؟
تقترح بيانات الدراسة الدولية للرياضيات والعلوم، بناء على آراء أكيبا وزملائه، أن من المفيد للولايات المتحدة أن:
أ- توفر مصادر وحوافز إضافية لجذب المعلمين المؤهلين، والمحافظة عليهم لتعليم طلاب المستوى الاجتماعي الاقتصادي المنخفض.
ب- تزود المعلمين بفرص النمو المهني الكافية لضمان نوعية عالية من المعلمين، إذ لا يعد التعليم في الولايات المتحدة "مهنة محترفة" ومصدرًا لكسب العيش، سواء داخل المدرسة أم خارجها. ولا يرى كثير من الطلاب المؤهلين جيدًا أن مهنة التعليم جذابة، بينما ينجذب أفضل الطلاب وأذكاهم في كوريا الجنوبية إلى مهنة التعليم.
ولضمان نوعية جيدة من التعليم العام، يصبح من الضروري التعامل مع التعليم على أساس أنه مهنة محترفة ذات رواتب تنافسية وظروف عمل مريحة. ويجب أن يعاد النظر - بشكل خاص - بالنسبة الكبيرة لوقت التعليم الصفي إلى وقت التعليم الإجمالي في الولايات المتحدة. فيجب أن يُوفّر للمعلمين وقت كافٍ للتخطيط لممارساتهم التعليمية، وتقويمها، وتطوير معارفهم المهنية مع زملائهم. ولتشجيع المعلمين على التعلم معًا يجب أن يعملوا معًا في مكان مشترك داخل المدرسة لكي يتعلم بعضهم من بعض. إن النسبة الصغيرة الراهنة لوقت التعليم خارج الصف مقارنة مع وقت العمل الكلي، إلى جانب فرص المعلمين المحدودة للتفاعل مع زملائهم، قد لا تقلل من جودة التعليم الصفي فحسب، وإنما تدمر الوضع القائم لمهنة التعليم برمته، وتجعل التعليم قليل الجاذبية. وعندما تتحسن الظروف الأساسية للتعليم فإن نوعية التعليم ستتحسن أيضًا.
ولجذب المعلمين المؤهلين إلى المناطق غير المخدومة جيدًا، يجب تقديم حوافز إضافية لهم. وما تفعله كوريا الجنوبية مثال جيد على ذلك. فالحوافز في الرواتب، وربط الخدمة بالترقية، وتحسين ظروف العمل، شأنها في ذلك شأن تقليص وقت التعليم وتقليل حجم الصف، يجب أن تعمل معًا على مساعدة المعلمين على مواجهة التحديات التي يتعرضون لها في هذه المناطق.
إن العدد المرتفع من المعلمين الذي يتركون الخدمة، سبب رئيس لانتشار وجود المعلمين غير المؤهلين في مدارس الولايات المتحدة، لا سيما في المدارس التي تحتاج إلى المعلمين الأعلى تأهيلاً. وللتعامل مع التعليم كمهنة، يصبح من الضروري توفير الوقت لهم للنمو الذاتي وزيادة رواتبهم اعتمادًا على سنوات الخدمة في المدارس ذات التحديات الكبرى. فعندما تتحسن ظروف العمل، وتزيد الرواتب مع الخبرة، فإن المعلمين في المناطق السكنية الفقيرة سوف يبقون في هذه المدارس مدة أطول ولا ينسحبون منها.
إننا نُذَكِّرُ بأن تميز المعلمين في مدارس كوريا الجنوبية قد لا يفسّر وحده التحصيل العالي لطلابهم. فالطلاب الكوريون الجنوبيون يدرسون أكثر مما يفعل طلاب الولايات المتحدة، لأن غالبيتهم يتلقون تعليمًا خصوصيًا. ومع ذلك، فإن من السذاجة الاعتقاد بأن هذا التعليم، ووقت الدراسة الإضافي المرتبط به يفسران هذا التحصيل العالي عند الطلاب الكوريين، فتأثير التعليم الخصوصي في تحصيل الطلاب الفردي ليس أمرًا محسومًا. وتشير نتائج البحوث إلى أن مستوى المشاركة في هذا التعليم لا يرتبط بالتحصيل القومي في الرياضيات. إن الفرق الملحوظ بين البلدين في الجهود التي يبذلها الطلاب لتعلم الرياضيات يكشف - بدلاً من ذلك - عن فروق قومية في مستوى التركيز على تعلم الرياضيات. يقضي الطلاب الكوريون الجنوبيون وقتًا كبيراً في تعلم الرياضيات خارج المدرسة. ومع أنهم قد يحققون نتائج جيدة في الرياضيات، إلا أنهم قد يخسرون وقتًا ضروريًا لخبرات الطفولة المهمة. وبالمقابل يقضي طلاب الولايات المتحدة وقتًا أقل من طلاب كوريا الجنوبية في تعلم الرياضيات خارج المدرسة. وتشير هذه النتائج إلى أن البلدين بحاجة إلى التفكير جديًا في أهداف تعليم الرياضيات والجهود المبذولة فيها، وإيجاد طرائق لتعزيز فرص فاعلة ومتكافئة لتعلم الطلاب.
يمكن أن يستفيد طلاب الولايات المتحدة الذين يفتقرون إلى المصادر التربوية من السياسات التي تنتهجها كوريا الجنوبية، وتهدف إلى التقليل من فجوة الفرص بتزويد الطلاب بفرص تعلّم إضافية في المدارس الحكومية. ويجب أن تموّل هذه الفرص التعلميّة الإضافية من القطاع العام لكي تستطيع سدّ فجوات التحصيل.
ويجب أن يستمر التعليم العام بالتطور مستفيدًا من الأمثلة الناجحة للتعلم غير الرسمي والتعلم الحر، لكي يحقق الحاجات المعاصرة للأفراد وللمجتمع على حد سواء.
Educational Researcher, Vol. 37, No. 4 pp.200- 207
