الصفوف الإفتراضية تدعم التقليدية

الصّفوف الافتراضيّة تدعم التّقليديّة وتعزّزها



خلاصة

تواجه المرونة التي يتّسم بها التّعلّم الإلكترونيّ معوّقات كثيرة؛ فالطّلاب يحتاجون أثناء تعلّمهم إلى تحقيق مجموعة من المتطلّبات؛ فهم بحاجة إلى ضبط أنفسهم ذاتيًّا، وإلى امتلاك درجة عالية من الدّافعيّة، وإلى مهارات جيّدة لإدارة وقت التّعلّم المتاح لهم. وعندما لا يتحقّق أحد هذه المتطلبات في التّعلّم الإلكترونيّ، فإنّ التّعلّم التّقليديّ يكون أكثر ملاءمة لهم.

إنّ الحضور إلى الغرفة الصّفّيّة، والتّفاعل مع المدرّسين والطّلاب الآخرين في أثناء الحصص، ما يزالان يرسمان في الذّهن الصّورة النّمطيّة السّائدة لعمليّة التّعلّم، من هنا يقترح بعض المختصّين الاعتماد على الصّفوف الافتراضيّة، باعتبارها الوسيلة البديلة النّاجحة للتّعلّم التّفاعليّ في الصّفوف التّقليديّة، إذ يستطيع الطّلاب من خلال الصّفوف الافتراضيّة التّفاعل مع المدرّسين ومع زملائهم بنشاط، وحتّى لو لم يستطع الطّلاب حضور إحدى حصص الصّفوف الافتراضيّة، فإنّه يظلّ بمقدورهم الاطِّلاع على النّصوص المكتوبة، وسجلات المعلومات التي عرضت في تلك الحصّة.

  • مقدمة

يُعدُّ التعلُّم الإلكترونيّ النّموذج الأبرز بين نماذج التّعلّم الآخذة في الانتشار في عالم التّربية. وقد عزَّز ظهور التّعلّم الإلكترونيّ التّعلّم عن بعد كنموذج في التّعلّم، يحصل فيه الطّلاب على الموادّ التّعليميّة بما فيها الواجبات عن طريق البريد في مراحله الأولى، بغضّ النّظر عن أماكن إقامتهم. وبعد ظهور تكنولوجيا الإنترنت والتّطوّرات الهائلة في استعمالها، ظهرت طرق جديدة لتوزيع الموادّ التّعلميّة على الطّلاب بشكل أكثر فعاليّة، من حيث: توفير الوقت والكلفة، ونوعيّة الخدمات المقدّمة في مجال التّعلّم عن بعد. فقد أصبح بمقدور الطّلاب الاطِّلاع على الموادّ التّعلميّة المنشورة في المواقع التّعليميّة على الإنترنت من أيّ مكان وفي أيّ وقت، وبتكاليف دراسيّة قليلة، نظرًا لعدم الحاجة إلى تكاليف النّقل والإقامة كما هي الحال في المؤسّسات التّعليميّة التّقليديّة.

ويكون معظم المشاركين في برامج التّعلّم عن بعد -في غالب الأحيان- من الموظّفين أو الطّلاب الذين يرغبون في إكمال دراستهم في الخارج، أو الذين يقيمون في مناطق نائية. فالموظّفون الذين يشعرون بحاجة إلى المزيد من التّعلّم، أو التّدريب، لتحسين أوضاعهم الوظيفيّة، غالبًا ما يكونون مشغولين طوال اليوم، ولا يستطيعون التّحكُّم بأوقاتهم. أمّا الطّلاب الذين يرغبون في الدّراسة خارج بلادهم، أو الذين يقيمون في مناطق نائية، فإنّه يصبح بمقدورهم خفض تكاليف النّقل والإقامة، أو حتّى الاستغناء عنها كلّيًّا، في أثناء دراستهم وفقًا لبرامج التّعلّم الإلكترونيّ التي لا تتقيَّدُ بحدود الزّمان والمكان. ويستطيع كلّ فرد يرغب في التّعلّم الإلكترونيّ التّسجيل في برامج هذا النّوع من التّعلّم التي تقوم على تنفيذها جهات عدّة، من خلال الإنترنت.

  • تكنولوجيا التّعلّم الإلكترونيّ

إنّ الإنترنت، وخادم الشّبكة (web server )،ومواقع الشّبكة (web sites )،والبريد الإلكترونيّ(email)، ومجموعات الأخبار (newsgroups ) هي تطبيقات وتقنيّات شائعة الاستعمال في التّعلّم الإلكترونيّ. ويوفّر الإنترنت البنية التّحتيّة لشبكات واسعة متّصلة معًا.

فخادم الشّبكة هو مجموعة البرمجيّات والمكوّنات المادّيّة المربوطة مباشرة بالإنترنت، مثل: قبول طلبات المستعملين للشّبكة، وتزويدهم بالمحتويات المكتوبة، كالصّور، ولقطات الفيديو، والملفّات السّمعيّة. وموقع الشّبكة هو مجموعة متنوّعة من الوثائق، والصّور، ولقطات الفيديو المتوافرة في خادم الشّبكة، والتي يسهل الوصول إليها عبر الإنترنت، والهواتف الجوّالة، والشّبكات المحلّيّة. أمّا البريد الإلكترونيّ، فهو الرّسائل البريديّة بشكل إلكترونيّ، وهو على الرّغم من كونه التّطبيق الأقدم بين تطبيقات الإنترنت، إلاَّ أنَّه يُعدُّ أداة الاتِّصال الأكثر استعمالًا. وأخيرًا، يُشار إلى مجموعة الأخبار كمجموعة نقاش؛ حيث تشكَّل مجموعة محاور واحدة، في الأمور ذات العلاقة بموضوع معيَّن. وفي بعض الأحيان، يوجد مجموعتا أخبار لموضوع واحد؛ تتناول إحداهما نقاشات عامّة، والأخرى تُستعمل للإجابة عن استفسارات في واجبات معيّنة.

ويمكن استعمال خادم الشّبكة ومواقعها كمركز للتّعلُّم الإلكترونيّ أو كمدخل له؛ بمعنى أنّه يمكن أن تُحفظ فيهما الموادّ التّعلميّة، والإعلانات، والأسئلة كوسيلتي اتّصال. وتشمل التّطبيقات الشّائعة للبريد الإلكترونيّ، ومجموعة الأخبار طرح أسئلة على المدرّس، وتواصل الطّلاب مع زملائهم أو التّحاور معهم، إضافة إلى تسليم الواجبات.

  • معوّقات توظيف التّعلُّم الإلكترونيّ

إنّ معظم نماذج التّعلّم الحاليّة غير فعَّالة، إذْ يقتصر عمل مزوّدي التّعلّم الإلكترونيّ على وضع الموادّ التّعلّميّة، والدّروس الخصوصيّة، والواجبات على موقع الشّبكة، ويتوجّب على الطّالب الحصول عليها من هذا الموقع. وبعض مزوّدي التّعلّم الإلكترونيّ يُقدِّمون دروسًا خصوصيّة في بعض المواقع الإلكترونيّة لمساعدة الطّلاب على فهم الموادّ التّعلُّميّة وفقًا لجدول زمنيّ معيّن. ويرى بعضهم أنّ هذا الأمر يفقد التّعلّم الإلكترونيّ فوائده المتعلّقة بتوافر المرونة في الوقت، إذ لا يستطيع الطّلاب جميعًا حضور تلك الدّروس.

وبالرّغم من أنّ البريد الإلكترونيّ ومجموعة الأخبار يشكّلان أدوات الاتّصال الرّئيسة في التّعلّم الإلكترونيّ، فإنّ كثيرًا من الطّلاب لا يستطيعون توظيفها. وبعض الطّلاب لا يملكون حتّى الوقت الكافي لقراءة الرّسائل الواردة إلى بريدهم الإلكترونيّ، أو التّحاور مع الآخرين في مجموعة الأخبار.

إنّ إحدى مزايا التّعلّم الإلكترونيّ المتمثّلة بتوافر المرونة في الزّمان والمكان، قد تجعل التّعلُّم الإلكترونيّ الأسوأ بين نماذج التّعلّم. فالمرونة في الوقت أو عدم الالتزام بمواعيد محدّدة للتّعلّم الإلكترونيّ سلاح ذو حدّين، فالطّلاب يتمتّعون بالمرونة في التّعلُّم متى شاؤوا وفقًا لجداول زمنيّة خاصّة بهم، ولكن عدم تحديد أوقات معيّنة للتّعلّم الإلكترونيّ قد يؤدّي بالطّلاب غير الملتزمين والذين لا يشعرون بالمسؤوليّة، إلى تأخير دراستهم وحلّ واجباتهم، وخاصّة الطّلاب الملتزمون بدوام كامل، حيث يُشكِّل انشغالهم بأعمالهم ووظائفهم مبرّرًا لقلّة توافر الوقت لديهم للدّراسة.

يتطلّب التّعلّم الإلكترونيّ من الطّلاب درجةً عاليةً من تحمُّل المسؤوليّة، والالتزام، والانتظام في التّعلّم من تلقاء أنفسهم، إذ يصبحون من خلاله متعلّمين ذاتيًّا ولديهم، القدرة على دراسة الموادّ التّعلّميّة وحدهم وفقًا لجداول زمنيّة خاصّة بهم. وهكذا فإنّ الطّلاب الذين ليس بمقدورهم تحمُّل المسؤوليّة، والالتزام بدراستهم، والمثابرة عليها، سيفشلون حتمًا في هذا النّوع من التّعلّم.

  • تبنِّي الصّفوف الدّراسيّة الافتراضيّة

يمكن في الحقيقة تلبية الحاجة الماسّة إلى التزام الطّلاب وتحمّلهم للمسؤوليّة، وذلك عن طريق توفير بيئة صفّيَّة ملائمة. ففي الصّفوف العاديّة، يتمّ التّفاعل وتجري النّقاشات الصّفّيّة بين المدرّسين والطّلاب، كما يستطيع الطّلاب من خلال التّعليم والتّعلّم وجهًا لوجه تعلُّم المادّة في وقت محدّد، ومناقشة الصّعوبات التي تواجههم مع مدرّسيهم أو فيما بينهم. وهذه البيئة الصّفّيّة، بما توفّره من فرص تعلّميّة، تفوق ما يستطيع التّعلّم الإلكترونيّ بشكله الحاليّ تقديمه. وهذا لا يعني - بطبيعة الحال- أنَّ التّعلّم الإلكترونيّ لا يمكن توظيفه كنموذج تعلُّم، حيث ستسهم التّكنولوجيا المتقدّمة في هذا المجال في تطوير التّعلُّم الإلكترونيّ وتحقيق إمكاناته، بما في ذلك توفير بيئة تعلُّميّة افتراضيّة يستطيع الطّلاب فيها حضور الصّفوف الافتراضيّة عبر الإنترنت، وفقًا لجداول زمنيّة دوريَّة كالصّفوف العاديّة، إذ يتمكّن الطّلاب في الصّفوف الافتراضيّة من التّفاعل والمشاركة في النّقاشات كما يحدث في الصّفوف العاديّة. وفي حال عدم حضور الصّفوف الافتراضيّة، فإنّ الطّلاب يتمكّنون من الاطِّلاع على المحتويات المعرفيّة المكتوبة، والحصص المسجّلة التي تغيّبوا عنها؛ الأمر الذي يضّطرّهم إلى الدّراسة بشكل دوريّ.

  • التّكنولوجيا اللازمة للصّفوف الافتراضيّة

إنّ التّكنولوجيا المركزيّة اللازمة للتّعلّم الإلكترونيّ هي الإنترنت. وكما هو معروف، فإنّ توصيل خدمة إنترنت سريعة، ممكنة في بعض الدّول وغير ممكنة في بعضها الآخر، وخاصّة في دول العالم الثّالث التي ما تزال خدمة الإنترنت فيها بطيئة ومكلفة. ومع ذلك فإنّ خدمة الإنترنت ضروريّة لتفعيل الصّفوف الافتراضيّة.

إنترنت ذات نطاق واسع

يمكن القول إنّه من السّهولة بمكان إقامة الصّفوف الافتراضيّة في الدّول التي لديها بنية تحتيّة جيّدة لتوصيل خدمة إنترنت سريعة، إذْ تستطيع هذه الدّول إيجاد بيئة افتراضيّة مشابهة لبيئة الصّفوف العاديّة باستخدام أدوات افتراضيّة ثلاثيّة الأبعاد، تجعل الصّفوف الافتراضيّة التي قد تستمرّ لفصل دراسيّ كامل تبدو بديلة للصّفوف العاديّة. وكلعبة ثلاثيّة الأبعاد، يستطيع الطّلاب رسم الشّخصيات الخاصّة بهم في الصّفوف الإلكترونيّة لتمثيل أنفسهم؛ حيث يمكن استخدام هذه الشّخصيّات لتتفاعل مع المدرّسين أو فيما بينها، وهكذا فإنّ الطّلاب سيشعرون وكأنّهم يدرسون في بيئة طبيعيّة.

ويستطيع المدرّسون توفير بيئة صفّيّة لا تقوم فقط على ترتيب الكراسي والمقاعد وتنظيمها داخل غرفة الصّفّ؛ وإنّما تساعد الخبرات التّعلُّميّة المتوافرة – كالإيضاحات، وتمثيل الحقائق- الطّلابَ على التّعلّم بشكل أسرع من مجرّد القراءة في الكتب المدرسيّة، أو الاستماع إلى شرح المدرّس. وبالإضافة إلى ذلك، فإنّه يمكن توظيف الصّفوف الافتراضيّة القائمة على الإنترنت على صورة لعبة تعليميّة، إذ يمكن مثلاً أن يشتري الطّلاب أو يستأجروا قطعة من الأرض، ويُنشئوا عليها بيئة تعلُّميّة ملائمة للصّفوف الافتراضيّة التي تُقام على الإنترنت في اللّعبة، بشكل يمكّن الطّلاب الانضمام إلى هذه اللّعبة، وحضور الحصص المحدّدة لهم. كما يستطيع الطّلاب في هذه البيئة الافتراضيّة تقمّص شخصيّة معيَّنة، أو تبنّي فلسفتها في اللّعبة. كذلك فإنّ البيئة التّعلّميّة الافتراضيّة القائمة على الإنترنت وفقًا لنمط الألعاب التّعليميّة، تشجِّع بعض الطّلاب على التّفاعل مع مدرّسيهم أو مع زملائهم لأنّهم يصبحون أكثر ثقة بأنفسهم، وأكثر اطمئنانًا وشعورًا بالرّاحة، ويتخلّصون من مشاعر الحرج والخجل؛ حيث لا يرون الأشخاص الذين يتفاعلون معهم وجهًا لوجه كما في الواقع.

إنترنت قائمة على الاتّصال الهاتفيّ

لا تقتصر إمكانات تقنيّة الإنترنت ذات النّطاق الواسع على توصيل لقطات فيديو وملفّات سمعيّة ذات جودة عالية، بل يمكن استعمالها لتقديم ألعاب تعليميّة بشكل مباشر. أمّا تقنيّة الإنترنت القائمة على الاتّصال عبر خطّ الهاتف، فلا يمكن الاعتماد عليها في تقديم تطبيقات متعدّدة للإنترنت، لذلك فإنّ المدى الضيّق لهذا النّوع من تقنيّات الإنترنت، وبطء الوصول إلى الخدمات عبرها، يشكّلان معوّقات تؤدي إلى محدوديّة أنواع الموادّ والبرامج التّعليميّة التي تُقدِّمها. وبالرّغم من ذلك، يمكن توظيف هذه الشّبكة لإنشاء بيئة تعلّميّة يمكن من خلالها تقديم صفوف افتراضيّة وفقًا لجدول زمنيّ معيّن بشكل دوريّ.

إنّ إحدى تقنيّات الإنترنت الممكن استعمالها هي غرف الدّردشة، التي يستطيع مزوّد التّعلّم الإلكترونيّ من خلالها توفير خادم محادثة لتسهيل إقامة الصّفوف الافتراضيّة. وبمعزل عن توفير خادم محادثة خاصّ به، يستطيع مزوّد التّعلّم الإلكترونيّ تقديم خدمات مجّانيّة عديدة كبرامج محادثة في التّعلّم عبر الإنترنت تشبه تلك المتوافرة في المؤتمرات. أمّا المرافق العامّة فهي غالبًا غير مستعملة؛ إذ يستطيع الأفراد الانضمام إلى الجلسات التّعلّميّة دون حاجة للتّسجيل في الدّروس أو المقرّرات، وبذلك يتجنّبون دفع الرّسوم المستحقّة عليهم.

وعلى غرار الصّفوف الافتراضيّة المقدَّمة في اللّعبة التّعلّميّة، يستطيع الطّلاب المشاركة في بعض جلسات الدّردشة، بالكتابة والصّوت، وفقًا لجداول زمنيّة محدّدة عبر الدّخول إلى المواقع، باستعمال عناوينهم البريديّة الإلكترونيّة.

  • الاستنتاجات

في الختام، يمكن القول إنَّ الصّفوف الافتراضيّة تساعد الطّلاب على النّجاح في تعلُّمهم الإلكترونيّ، وهذا يستدعي أن نُقرَّ بأنّ تحمّل الطّلاب المسؤوليّة، والتزامهم أثناء تعلُّمهم افتراضيًّا، والمثابرة عليه، هي المسألة الأكثر أهمّيّة. فما الصّفوف الافتراضية إلا إحدى الوسائل الممكن توظيفها لتحفيز الطّلاب على الالتزام بدراستهم والمثابرة عليها. وتقنيّات الإنترنت سواء كانت واسعة النّطاق أم ضيّقة النّطاق متوافرة، وما على مزوِّد التّعلُّم الإلكترونيّ إلا أن يكون مبدعًا في توصيل الصّفوف الافتراضيّة عبر الإنترنت، ليضيف إليها المزيد من القيمة التّربويّة لتكون داعمة للصّفوف التّقليدية وليس بديلاً لها.

نسخة للتحميل

عدد المشاهدات: 3383

يتطلب تشغيل بوابة مشروع الرياضيات والعلوم:
• مستعرض Explorer إصدار رقم 7 فما فوق
• أو مستعرض FireFox إصدار 3 فما فوق